الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

10

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

قد يود الذين كفروا لو كانوا أسلموا . والتقليل هنا مستعمل في التهكم والتخويف ، أي احذروا ودادتكم أن تكونوا مسلمين ، فلعلها أن تقع نادرا كما يقول العرب في التوبيخ : لعلك ستندم على فعلك ، وهم لا يشكون في تندمه ، وإنما يريدون أنه لو كان الندم مشكوكا فيه لكان حقا عليك أن تفعل ما قد تندم على التفريط فيه لكي لا تندم ، لأن العاقل يتحرز من الضر المظنون كما يتحرز من المتيقن . والمعنى أنهم قد يودّون أن يكونوا أسلموا ولكن بعد الفوات . والإتيان بفعل الكون الماضي للدلالة على أنهم يودون الإسلام بعد مضي وقت التمكن من إيقاعه ، وذلك عندما يقتلون بأيدي المسلمين ، وعند حضور يوم الجزاء ، وقد ودّ المشركون ذلك غير مرة في الحياة الدنيا حين شاهدوا نصر المسلمين . وعن ابن مسعود : ودّ كفار قريش ذلك يوم بدر حين رأوا نصر المسلمين . ويتمنّون ذلك في الآخرة حين يساقون إلى النار لكفرهم ، قال تعالى : وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا [ سورة الفرقان : 27 ] . وكذلك إذا أخرج عصاة المسلمين من النار ودّ الذين كفروا في النار لو كانوا مسلمين ، على أنهم قد ودّوا ذلك غير مرة وكتموه في نفوسهم عنادا وكفرا . قال تعالى : وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ [ سورة الأنعام : 27 ، 28 ] ، أي فلا يصرحون به . و لَوْ في لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ مستعملة في التمني لأن أصلها الشرطية إذ هي حرف امتناع لامتناع ، فهي مناسبة لمعنى التمني الذي هو طلب الأمر الممتنع الحصول ، فإذا وقعت بعد ما يدل على التمني استعملت في ذلك كأنها على تقدير قول محذوف يقوله المتمني ، ولما حذف فعل القول عدل في حكاية المقول إلى حكايته بالمعنى . فأصل لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ لو كنّا مسلمين . والتزم حذف جواب لَوْ اكتفاء بدلالة المقام عليه ثم شاع حذف القول ، فأفادت لَوْ معنى المصدرية فصار المعنى : يودّ الذين كفروا كونهم مسلمين ، ولذلك عدّوها من حروف المصدرية وإنما المصدر معنى عارض في الكلام وليس مدلولها بالوضع . [ 3 ] [ سورة الحجر ( 15 ) : آية 3 ] ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 3 )